ارتقاء اللغة العربية في صدر الإسلام وأهم أسباب الارتقاء

ارتقاء اللغة العربية في صدر الإسلام وأهم أسباب الارتقاء

ارتقاء اللغة العربية


ارتقت اللغة العربية في صدر الإسلام إلى طورها الأعلى، ودخلت أهم دور يحق لنا أن نسميه عصر شبابها، فنمت عروقها وأثمرت غصونها بألوان مختلفة من الأساليب.

ومن مآثرها هذه الحياة الراقية أن كان كلام الناشئين في الإسلام من العرب أحلى نسقا وأصفى ديباجة من كلام الجاهلية في أدبهم ومحاوراتهم.

أسباب ارتقاء اللغة العربية

الأسباب التي ارتقت بها اللغة العربية حتى بلغت أشدها وأخذت زخرفها أمور ثلاث:

أولا: ما جاء به القرآن الحكيم من صورة النظم البديع، والتصرف في لسان العرب على وجه يملك العقول؛ فإنه جرى في أسلوبه على منهاج يخالف الأساليب المعتادة للفصحاء قاطبة -وإن لم يخرج عما تقتضيه قوانين اللغة- واتفق كبراؤهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه اللائق به وإن تفاضل الناس في الإحساس بلطف بيانه تفاضلهم بسلامة الذوق وجودة القريحة.
كما أن القرآن الكريم أفضل ما يحتج به في تقرير أصول اللغة، لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولا يمتري أحد في أنه بلغ الفصاحة وحسن البيان الذروةَ التي ليس بعدها مرتقى، فيأخذ بالقياس على ما وردت عليه كلمه وآياته من أحكام لفظية، ولا فرق بين ما وافق الاستعمال الجاري فيما وصل الينا من شعر العرب ومنثورهم، وما جاء على وجه انفرد به، ولا حجة لمن يذهبون به مذهب التأويل ليوافق آراءهم النحوية.
ولم تكن اللغة العربية موحدة قبل نزول القرآن الكريم، بل كانت لهجات متباعدة متصارعة لاتساع الجزيرة العربية وبينها اختلافات في اللفظ والتركيب، كلغات تميم وربيعة وأسد وقيس وهذيل وطيئ وقضاعة وغيرها، فساعد القرآن على توحيدها وحفظها من الانقراض حينما نزل بلغة نموذجية موحدة هي لغة قريش، التي تغلبت من قبل على اللهجات العربية الأخرى لأسباب سياسية ودينية وتجارية...
قال ابن فارس رحمه الله (ت 395 هـ) "أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة. وذلك أن الله جل ثناؤه اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبي الرحمة محمدا صلى الله عليه وسلم، فجعل قريشا قطان حرمه، وجيران بيته الحرام وولاته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم. وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم... وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم.
فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب ..."
والعرب أمة شاعرة تطرب القول البليغ، وتعد الشاعر والخطيب إذا نبغا فيها من مفاخرها كما ذكرنا في موضوع دراسة العربية ومقارنة لهجتها - الأسواق العربية الشهيرة
حتى إن القرآن شهد لهم بذلك  كقوله سبحانه وتعالى: {وإن يقولوا تسمع لقولهم} وقوله سبحانه: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} وقوله عز من قائل: {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون}. ولكن لما نزل القرآن الكريم سحر ببيانه القلوب وسجدت لبلاغته العقول، وانحنت لنظمه الفريد جباه الفصحاء، وأعجز الجميع على أن يأتوا بمثله... ذلك انه أتى بأنماط من فن القول لم يعهدوه، وضروب من نظم الكلام لم يألفوه، حتى حاروا في وصفه... فكان مجيئ القرآن خيرا عظيما للفصحى: زادها ثراء ونماء وتهذيبا، فهجر الشعراء والخطباء ألفاظا جاهلية حوشية غريبة، ومعاني قبيحة كالغلو في الفخر والهجاء والرثاء، والفحش في الغزل، ووصف الخمر والميسر، وذكر أعمال الشرك كالتطير والنياحة عند الموت، وغيرها.
واستعاظوا عن ذلك بألفاظ ومعان وصور جديدة استلهموها من القرآن والحديث، لم تكن معروفة من قبل.
ومن تلك الألفاظ: الألفاظ "الإسلامية" كالصلاة والصيام والزكاة والحج والإيمان والكفر والنفاق والفسق والجنة والنار. حيث تغيرت معانيها اللغوية واكتسبت بفضل الإسلام معاني جديدة، واستعملت بهذه الصفاة.

ثانيا: ما تفجر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم من ينابيع الفصاحة، وما جاء في حديثه من الرقة والمتانة والإبانة عن الغرض بدون تكلف. وإنما أغضى علماء اللسان النظر عن الاستشهاد بالحديث لأنه رواته لم يجمعوا عنايتهم على ضبط ألفاظه كما كانوا يتثبتون في نقله على المعنى، ولو تحقق أهل العربية من رواية الحديث بلفظه كالأحاديث المنقول للاستشهاد على فصاحته صلى الله عليه وسلم لاستندوا إليه في وضع أحكامها يقينا.

ثالثا: ما أفاضه الإسلام على عقول العرب بواسطة القرآن والحديث من العلوم السامية، وبما نتج عن تعارف الشعوب والقبائل، والتئام بعضها ببعض من الأفكار ومطارحة الآراء، ومعلو أن اتساع العقول وامتلاءها بالمعارف مما يرقي مداركها ويزيد في تهذيب ألمعيّتها، فتقذف بالمعاني المبتكرة وتبرزها في أساليب مستحدثة، فإن كثرة المعاني ودقتها تبعث على التفنن في العبارة.

إرسال تعليق

اترك تعليقا (0)

أحدث أقدم