القائمة الرئيسية

الصفحات

المصطلح الصوفي: تعريف المصطلح الصوفي | مجالات تطبيق المصطلح الصوفي | علاقة المصطلح الصوفي بالنص القرآني

المصطلح الصوفي: تعريف المصطلح الصوفي | مجالات تطبيق المصطلح الصوفي | علاقة المصطلح الصوفي بالنص القرآني




- التفسير الصوفي للقرآن الكريم نموذجا-

لقد أضحى التصوف في الإسلام، منذ أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث تيارا معرفيا متناميا استهدف تحرير النفس الإنسانية من قيد المادة، والسمو بها في عالم الروح الرحيب؛ فهو تيار هائج داخل بحر الثقافة الإسلامية العميق والواسع، لكنه تيار متميز في تصوره، وطرائقه الفكرية والسلوكية؛ قد أوغل أصحابه في تجاربهم في فضاء المعنى إلى حد الشطط أحيانا، غير أنها كانت إضافات نوعية أغنت حقل المعرفة الإسلامية بما أنجزته من كشوف ورؤى جديدة أحيانا أخر.
ولعل أوضح إنجاز لهذه التجربة هو المصطلح.
- فما هو المصطلح الصوفي؟
- وما هي حدوده؟
- وما هي مجالاته التطبيقية؟
- وما علاقته بالنص القرآني تحديدا؟

تعريف المصطلح الصوفي:

المصطلح الصوفي هو: لفظ تواضع الصوفية عليه، وأعطوه دلالة جديدة، خاصة بهم، ليكون وسيلة اتصال فيما بينهم، وأداة تعبير عن أذواقهم وتجاربهم، وهو سلوك ألجأتهم إليه الرغبة في كتم أسرارهم، والضن بها على غيرهم ممن لم يذق أذواقهم، وهذه الخصوصية هي التي أشار إليها القشيري بقوله: "أعلم أن لكل طائفة من العلماء ألفاظا يستعملونها, وقد انفردوا بها عن سواهم ،كما تواطؤوا عليها لأغراض لهم فيها ، من تقريب للفهم على المتخاطبين بها ، أو للوقوف على معانيها بإطلاقها وهم يستعملون ألفاظا فيما بينهم، قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم و الستر على من باينهم في طريقتهم، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب ، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها ، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع من التكلف ،أو مجلوبة بضرب من التصرف، بل هي معان أودعها الله تعالى في قلوب قوم ، واستخلص لحقائقها أسرار قوم".
ثم صّرح أن غايته من تأليف كتاب الرسالة، هي شرح هذه الألفاظ، تسهيلا للفهم على من يريد معرفة معاني الصوفية وسلوكطريقهم وهي الخصوصية ذاتها التي يؤكدها عبد الرحمن بن خلدون بقوله: "فلا يظنن أن ألفاظهم التي اصطلحوا عليها تفيد غيرهم، وإنما تواضعوا عليها للكلام فيما بينهم لا لخطاب من لم يذق أذواقهم".
 غير أن ضرورة التواصل مع الآخر (الأغيار) أو أهل الظاهر أو الرسوم، كما ينعتهم الصوفية قد اضطرتهم إلى شرح ألفاظهم ورموزهم، فوضعوا مصنفات ورسائل حددوا فيها مصطلحاتهم وما ترمي إليه، تقريبا للأفهام، ودفعا للتهم، وهو ما ذكره محي الدين بن عربي في مقدمة كتاب اصطلاحات الصوفية، فقال:
"أما بعد، فإنك أشرت إلينا بشرح الألفاظ التي تداولها الصوفية المحّققون من أهل الله بينهم، لما
رأيت كثيرا من علماء الإسلام وقد سألونا في مطالعة مصنّفاتنا، ومصنفات أهل طريقنا، مع عدم معرفتهم، بما تواطأنا عليه من الألفاظ التي بها يفهم بعضنا عن بعض، كما جرت عادة كل فن من العلوم، فأجبت إلى ذلك ولم أستوعب الألفاظ كلها، ولكن اقتصرت منها على الأهم فالأهم، وأحجمت عن ذكر ما هو مفهوم من ذلك عند ك ّل من ينظر فيه بأول نظرة، لما فيها من الاستعارة والتشبيه".

غير أن ما يلحظه الدارس لهذا المصطلح هو أنه يفتقر في الغالب، إلى الدقة والوضوح المطلوبين في كل مصطلح علمي؛ فقد يحد بكلمات فضفاضة، ومبهمة، وقد يعرف بأكثر من تعريف، فيتسع الشرح،

ويتشعب في الاصطلاح الواحد، رغبة في الإحاطة بالمعاني، والزيادة في الإيضاح، ولكنها توسعة أضرت بالمصطلح من حيث أرادت خدمته، فأبعدته عن الدقة والإيجاز وهما من أهم شروطه.
وما يلحظ كذلك هو اختلاف العلماء المصنفين في ذلك، مما يؤكد احتكام الاصطلاح عندهم إلى التجربة الذوقية، لا إلى المعرفة النظرية، وهي تجربة ذاتية فردية، ينكشف لها ما لا ينكشف لغيرها من
التجارب الأخر، من الأذواق والمعارف؛ فالتعريف، تبعا لهذا تعبير عن تجربة، وهو من هذا المنظور إبداع، والإبداع مفض بطبيعته إلى التنوع والاختلاف.

المجالات التطبيقية للمصطلح:

لقد نقل الصوفي المصطلح من مجاله النظري إلى مجالاته التطبيقية، وهي كالآتي:

1- الأعمال الإبداعية:

أ‌-     الشعر:
لقد أكثر الصوفية من نظم الشعر للتعبير عن تجاربهم وأذواقهم لما وجدوا فيه من طاقة تعبيرية، تتسع لأساليب الرمز والإشارة، والتصوير والخيال، وقد قال لسان الدين بن الخطيب في هذا الشأن معلّلا اتكاءه على الشعر، واعتماده وسيلة تعبير: "واستكثرت من الشعر لكونه من الشجرة بمنزلة النسيم الذي يحرك عذبات أفنانها، ويؤّدي إلى الأنوف روائح بستانها، وهو المزمار الذي ينفخ الشوق في يراعته، والعزيمة التي تنطق مجنون الوجد من ساعته، وسلعة ألسن قنائص الأذواق، به عّبّ الواجدون عن وجدهم، وأشار المحبون إلى قصدهم، وهو رسول الاستلطاف، ومتنّزل الألطاف، اشتمل على الوزن المطرب، والجمال المعجب المغرب، وكان للألحان مركبا، ولانفعال النفوس سببا، فلا شيء أنسب منه للحديث في المحبة، ولا أقرب للنفوس الصبة".
وما وصلنا من مدونات النص الشعري الصوفي، وهي كثيرة، دليل على أن الشعر كان المجال التطبيقي الرحيب للمصطلح الصوفي.

ب‌-  النثر:
وهو نثر فني كالذي نجده في كتاب المواقف للنفري، وبعض رسائل ابن عربي، والإشارات الإلهية لأبي
حيّان التوحيدي وغيرهم.
الحكم: وهي كلمات مكثفة مرسلة، قالها المتصوفة تعبيرا عن تجربة خاضوها ومنها حكم أبي مدين
شعيب، والحكم الإلهية لمحي الدين بن عربي، وحكم ابن عطاء السكندري وغيرها.

ج- الشروح:
الشروح هي المجال التطبيقي الثالث للمصطلح الصوفي، وفيها نلحظ التوفيق الذي حققه الصوفي في
توضيح النص من منظور صوفي، كما نقف على عملية إكراه اللفظ على معنى لا يحتمله، حدث ذلك
في الشعر
وكذا في تأويل النص القرآني.

2-   تأويل القرآن الكريم:

القرآن الكريم كتاب الله المعجز، وحجته البالغة إلى خلقه، أوحى به إلى خير البريّة وأفصح العرب محمد صلّى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، وأودع فيه من المعاني والأسرار، والحكم والمواعظ، والشرائع والأحكام بما يسع الأفهام، ويشغل العقول، ولا أدل على ذلك من كثرة ما ألّف حوله، منذ مراحل التأليف الأولى وإلى الآن؛ وهي مؤلفات قد تعددت اختصاصاتها، بتعدد مشارب مؤلّفيها العلمية والثقافية؛ فقد ألف العلماء في إعراب القرآن، ومشكله وغريبه، وفسروا بعض آيه ببعض، كما فسروه بالمأثور من أقوال الصحابة والتابعين، وفسروه تفسيرا بلاغيا، وآخر علميا، كما عمد بعضهم إلى تفسيره تفسيرا إشاريا تأويليا وهذا التفسير الإشاري التأويلي هو المجال الذي خاضه الصوفية وصبوا في بحره الفسيح جهودهم، وكان ابن عباس (رضي الله عنهما) سبّاقا إلى هذا النوع من التفسير فقد أورد الألوسي في تفسيره أن ابن عباس قال :
"القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى، أخبار وأمثال، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، ظهره التّلاوة وبطنه التأويل فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء).
وفكرة أن القرآن الكريم ظهر تمثله التلاوة، وبطن ينهض به التأويل هو ديدن الصوفية في مقارباتهم للقرآن الكريم، وهي مقاربات في مستويين:

1-   التفسير الإشاري:

لقد حده العلماء بقولهم: (إنه معاني الأسرار القرآنية تنقدح في قلب المؤمن التقي)، كما وضعوا له شروطا ضابطة أبرزها عدم التنافي مع ما يقتضيه القرآن الكريم من دلالة.
وكان أول من شارك في هذا النوع من التفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وشارك فيه العلماء
العاملون من بعده، ويوجد حظ وافر منه في التفسير المنسوب إلى ابن عربي.

2-   التفسير الصوفي:

يظهر هذا التفسير بوضوح في التفسير المنسوب إلى الشيخ محي الدين بن عربي الحاتمي المرسي الأندلسي، وهو تفسير يتجاوز قيد التفسير بالإشارة إلى حّد الغلو في التأويل الباطني للفظ القرآني، بما يخرج به عن طبيعته اللغوية، وحدوده ال ّسياقية، فينقل اللفظ من سياقه القرآني العادي إلى سياق غريب مختلف، يترتب عليه فهم جديد للقرآن، يفضي إلى تعطيل أحكامه؛ وهو أمر وقفعنده العلاّمة عبد الرحمن ابن خلدون ، وبين خطره في هذا المجال بقوله: "...يفسرون المتشابه من الشريعة كالروح والملك والوحي والعرش والكرسي وأمثالها، بما لا يتّضح أو يكاد، وربما يتضمن أفعالا منكرة ومذاهب مبتدعة، ككلمة الباطنية في حمل الكثير من آيات القرآن المعلومة الأسباب، على معنى باطن، ويضربون بحجب التأويل على وجوهها ال ّسافرة، وحقائقها الواضحة؛ كقولهم في آدم وحواء : إنها النفس والطبيعة، وقولهم في ذبح البقرة : إنها النفس، وقولهم في أصحاب الكهف : إنهم الخالدون إلى أرض الشهوات، وأمثال ذلك. فتسكن كثير من أهل الضلال إلى ذلك، استحلاء لتحصيل الغايات في البدايات ...... فإذا طالبهم الإنكار بتحقيق دعواهم لجأوا إلى الوجدان الذي لا يتعدى دليله، ولا يتّضح على الغير برهانه،... وإذا كانت كلماتهم وتفاسيرهم لا تفارق الإبهام والاستغلاق، فما الفائدة فيها".

ولعل الأمر يتضح أكثر بعرض نماذج من هذا التفسير في مستوييه الاشاري والصوفي من خلال تفسير ابن عربي وهي كالآتي:

المستوى الأول:
-       المثال الأول :
قال ابن عربي في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾
"إنما منع المجادلة مع أهل الكتاب إلا بالطريقة التي هي أحسن، لأنهم ليسوا محجوبين عن الحق بل عن
الدين، فهم أهل استعداد ولطف، لا أهل خذلان وقهر، وإنما ضلوا عن مقصدهم الذي هو الحق في
الطريق، لموانع وعادات وظواهر، فوجب في الحكمة موافقتهم في المقصد الذي هو التوحيد"

-       المثال الثاني:
قال، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبّحوه بكرة وأصيلا﴾ باللسان في مقام النفس، والحضور في مقام القلب، والمناجاة في مقام السر، والمشاهدة في مقام الروح، والمواصلة في مقام الخفاء، والفناء في مقام الذات. «وسبّحوه»، بالتجريد عن الأفعال والصفات والذات، «بكرة»: وقت طلوع فجر نور القلب، وإدبار ظلمة النفس، وليل غروب شمس الروح بالفناء في الذات، أي دائما، من ذلك الوقت إلى الفناء السرمدي»14 وهو تفسير كما نلحظ، قد تقبله العبارة القرآنية وتتّسع له، لكنها تستغربه في المستوى الثاني الذي ينقلها إلى سياق غريب عن دلالتها القرآنية ومقاصدها الشرعية.

المستوى الثاني:

-       المثال الأول:
قوله تعالى: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.. 

قال: (شهر رمضان)، أي احتراق النفس بنور الحق، (الذي أنزل فيه) في ذلك الوقت، (القرآن) أي العلم الجامع الإجمالي المسمى بالعقل القرآني، الموصل إلى مقام الجمع، هداية للناس إلى الوحدة، باعتبار الجمع، (وبينات من الهدى) ودلائل متصلة من الجمع والفرق، أي العلم التفصيلي المسمى بالعقل الفرقاني، فمن حضر منكم في ذلك الوقت، أي بلغ مقام شهود الذات (فليصمه) أي، فليمسك عن قول وفعل وحركة ليس بالحق فيه.
)ومن كان مريضا) أي مبتلى بأمراض قلبه من الحجب النفسانية المانعة من ذلك الشهود.

-       المثال الثاني:
قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينك قبلة ترضاها، فوّل وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره، وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل عما يعملون﴾ قال: «قد نرى تقلّب وجهك» في جهة سماء الروح في مقام الجمع عند الاستغراق في الوحدة والاحتجاب بالحق عن الخلق... «فلنولّينك قبلة ترضاها» فلنجعلن وجهك يلي قبلة القلب بانشراح الصدر. «فوّل وجهك شطر المسجد الحرام» جانب الصدر المشروح المحرم من وصول صفات النفس، ودواعي الهوى والشيطان، «وحيث ما كنتم» أيها المؤمنون والمحققون، سواء كنتم في مشرق الروح أو مغرب الشمس «فولّوا وجوهكم» جانبه ليتيسر لكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأولى، أي الجهة الشرقية، والترقي عن حالكم ومقامكم، والتوقي عن احتجابكم بدواعي الهوى والشيطان في الثانية.

-       المثال الثالث:
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما، ومن تطوع خيرا، فإن الله شاكر عليم﴾

قال: «إن الصفا والمروة» الصفا: وجود القلب، والمروة: وجود النفس، «من شعائر الله» من أعلام دينه ومناسكه القلبية، كاليقين والرضا، والإخلاص والتوكل، والقالبيّة كالصلاة والصوم، وسائر العبادات البدنية. «فمن حج البيت» أي بلغ مقام الوحدة الذاتية ودخل الحضرة الإلهية بالفناء الذاتي الكلي،
«أو اعتمر» نار الحضرة بتوحيد الصفات والفناء في أنوار تجليات الجمال والجلال.

إن النزعة التأويلية التجريدية في مجال المصطلح الصوفي، كانت نعمة على الأدب، كسرت حواجزه الحسية وحلّقت به في عالم المعنى السامي، والخيال الفسيح، كما كانت نعمة على الفهوم الفقهية، أبعدتها عن الحرفية النصية، ودلت على ما وراءها من أسرار ومقاصد؛ غير أنها كانت نقمة على القرآن الكريم عندما انساق الصوفي وراء الخيال، وترخص في التأويل، فأطلق المقيد، وقيّد المطلق،وجّرد المحسوس، مما أدى إلى الابتعاد باللفظ القرآني عن دلالته الأصلية، وفي ذلك ما فيه من الخطر على القرآن الكريم من حيث فهمه، وتطبيق أحكامه.

تعليقات

التنقل السريع