القائمة الرئيسية

الصفحات

المحكم والمتشابه: منشأ التشابه وأقسامه | الحكمة من ذكر المتشابه | فوائد المتشابه في القرآن الكريم | تتمة

المحكم والمتشابه: منشأ التشابه وأقسامه | الحكمة من ذكر المتشابه | فوائد المتشابه في القرآن الكريم | تتمة

موقع فوائد

رابعا: منشأ التشابه وأقسامه:

قال الشيخ الزرقاني في مناهل العرفان: منشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه، أما تفصيلا فنذكر أن:

-       منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ.
-       ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى.
-       ومنه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ والمعنى معا


1-    ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ:

فالقسم الأول: وهو ما كان التشابه فيه راجع إلى خفاء في اللفظ وحده، منه:
-  مفرد.
-  مركب.

المفرد: قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة غرابته أو من جهة الشراكة.
المركب: قد يكون الخفاء فيه ناشئا من جهة اختصاره. أو من جهة بسطه أو من جهة ترتيبه.


مثال التشابه في المفرد بسبب غرابته وندرة استعماله:

مثال التشابه في المفرد بسبب غرابته وندرة استعماله، لفظ: الأبّ بتشديد الباء في قوله سبحانه: "وفاكهة وأبّا" (عبس:٣١) وهو ما ترعاه البهائم بدليل قوله بعد ذلك: "متاعا لكم ولأنعامكم"(عبس:٣٢).

مثال التشابه في المفرد بسبب اشتراكه في معان عدة:

ومثال التشابه في المفرد بسبب اشتراكه في معان عدة، لفظ اليمين في قوله سبحانه: (فراغ عليهم ضربا باليمين) (الصافات: 93) أي: فأقبل إبراهيم على أصنام قومه ضاربا لها باليمين من يديه لا بالشمال، أو ضاربا لها ضربا شديدا بالقوة لأن اليمين أقوى الجارحتين، أو ضاربا لها بسبب اليمين التي حلفها ونوه بها القرآن إذ قال : (و تالله لأكيدن أصنامكم بعد لأن تولوا مدبرين) الأنبياء:٥٧ كل ذلك جائز، ولفظ اليمين مشترك بينها.

مثال التشابه في مركب بسبب اختصاره:

ومثال التشابه في مركب بسبب اختصاره، قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء). (النساء: ٣) فإن الخفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه، والأصل: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من الناس.
ومعناه: أنكم إذا تحرجتم من زواج اليتامى مخافة أن تظلموهن فأمامكم غيرهن فتزوجوا منهن ما طاب لكم.
وقيل: إن القوم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى فأنزل الله الآية.
ومعناه: إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنى أيضا وتَبدلوا به الزواج الذي وسع الله عليكم فيه فانكحوا ما طاب لكم من النساء، مثنى وثلاث ورباع.

مثال التشابه يقع في المركب بسبب بسطه:

ومثال التشابه يقع في المركب بسبب بسطه، قوله جلت حكمته: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الشورى:11) سر زيادة الكاف في الآية هو أن تُساق الدعوى مع برهانها، ألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي عن امرئ نقيصة في خلقه فقلت: (فلان لا يكذب ولا يبخل) أخرجت كلامك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها.
فإذا زدت فيه كلمة فقلت: (مثل فلان لا يكذب ولا يبخل) لم تكن بذلك مشيرا إلى شخص آخر يماثله مبرأ من تلك النقائص، بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي، وهو أ ّن من يكون على مثل صفاته و ِش َي ِمه الكريمة لا يكون كذلك، لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقص الموهوم.
على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الكريمة التي تقديرها: (مثله تعالى لا يكون له مثل)، تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. فلا جرم جيء فيها بلفظين، كل واحد منها يؤدي معنى المماثلة؛ ليقوم أحدها ركنا في الدعوى، والآخر دعامة لها وبرهانا. فالتشبيه المدلول عليه (بالكاف) لما تصوب إليه النفي تأدّى به أصل التوحيد المطلوب، ولفظ (المثل) المصرح به في مقام لفظ الجلالة أو ضميره نبَّه على برهان ذلك المطلوب بنقض فرض التعدد من أساسه.

مثال التشابه يقع في المركب لترتيبه ونظمه:

ومثال التشابه يقع في المركب لترتيبه ونظمه، قوله جل ذكره: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) (الكهف:1).
فإن الخفاء هنا جاء من جهة الترتيب بين لفظ (قيّما) وما قبله. ولو قيل: أنزل على عبده الكتاب قيّماً ولم يجعل له ِعوجا، لكان أظهر أيضا.

والقسم الثاني: هو ما كان التشابه فيه راجعا إلى خفاء المعنى وحده: مثاله كل ما جاء في القرآن الكريم نعتا لله تعالى أو نعتا لأهوال القيامة أو لنعيم الجنّة وعذاب النّار، فإن العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، وكيف السبيل إلى أن يحصل في نفوسنا صورة ما لم نُ ِح ّسه، وما لم يكن فينا مثله ولا جنسه؟

القسم الثالث: وهو ما كان التشابه فيه راجعا إلى اللفظ والمعنى معا، له أمثلة كثيرة منها: قوله عز اسمه: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) (البقرة: ١٨٩) فإن من لا يعرف عادة العرب في الجاهلية لا يستطيع أن يفهم هذا النص الكريم على وجهه. ورد أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من الباب. فإن كان من أهل المدر نَقَب نقباً في ظهر بيته يدخل ويخرج منه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء، فنزل قول الله: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون). البقرة: 189.
فهذا الخفاء الذي في هذه الآية يرجع إلى اللفظ بسبب اختصاره، ولو ُبسط لقيل: وليس البر بأن تاتوا البيوت من ظهورها
إذا كنتم محرمين من حج أو عمرة. ويرجع الخفاء إلى المعنى أيضا، لأن هذا النَّص على فرض بسطه كما رأيت لابد معه من معرفة عادة العرب في الجاهلية وإلاَّ لتعذَّر فهمه

خامسا: الحكمة من ذكر المتشابه:

وقد يسأل سائل بعد ذلك: لماذا جعل الله في كتابه (المتشابه) ولماذا لم يجعله كله (محكما)؟ والجواب على ذلك يكون بإيراد حكم ثلاثة أحسبها كافية وشافية في تفسير هذه الظاهرة في كتاب الله تعالى:

أولها: بيان عظمة العلم الإلهي:

أي أنك مهما بلغت من العلم فلن تصل إلى أن تحيط به، فآيات الكتاب المتلو كآيات الكتاب المجلو؛ كما أن في هذا غيوب لا يمكن أن تقف عليها، قال تعالى فيها: (ولله غيب السماوات والّرض). فكذلك في كتاب الله المتلو آيات غير مقطوع على مغيبها: احتملت واحتملت حتى كانت المحتملات فيها على سواء
ففي القرآن ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، ولكن الحقيقة ليست كالحقيقة، فأسماء الله وصفاته وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي إلاّ أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، والعلماء المحققون يفهمون معانيها ويميزون الفرق بينها، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه: ٥) قالوا: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). وكذلك الشأن بالنسبة إلى إخبار الله عن اليوم الآخر، ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا إلا أن الحقيقة غير الحقيقة، ففي الآخرة ميزان، وجنّة ونار، وفي الجنّة (أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشّاربين، وأنهار من عسل مصفى) محمد: 15، وذلك نعلمه ونؤمن به، وندرك أن الغائب أعظم من الشاهد، وما في الآخرة يمتاز عما في الدّنيا، ولكن حقيقة هذا الالتزام غير معلومة لنا، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
فوائد المتشابه في القرآن الكريم:
فالمتشابه في القرآن من فوائده -إذن- هذا اللون من ألوان الامتحان: امتحان العقل الذي مهما حصل ومهما أدرك فإنه يقف أمام موضوعات الغيب في الكتاب مشدوها عاجزا، إذ لا يسعه آنئذ سوى أن يسلم في اطمئنان قلبي استنادا إلى ما تقدّم له من فهم المحكمات وتقديم الأمّهات، حتى إذا حصل له اليقين ورسخ العلم لم يبال بما أشكل عليه، وتبقى كلمة (الله أعلم) حاسمة في مثل هذه المقامات.
وعلى العكس من ذلك، فمن لم يكن على يقين من المحكمات، وفي قلبه شك واسترابة، كانت راحته في تتبع المشكلات المتشابهات: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران: 7)

ولما خص أهل الزيغ باتباع المتشابه دل التخصيص على أن الراسخين لا يتبعونه. فأما المتشابه فإما أن يردّوه إلى المحكم، إن أمكن حمله عليه بمقتضى القواعد، وذلك في المتشابه الإضافي النسبي لا الحقيقي، وهو الذي يحتمل أكثر من وجه، وليس في الآية ن ٌّص على موقف ال ّراسخين منه، فليرجع عندهم إلى المحكم الذي هو أم الكتاب.
وأما المتشابه الحقيقي وهو الذي لا يعلم تأويله وحقيقته إ ّلا الله فموقفهم منه هو التّسليم حيث: (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران :7)، وهؤلاء هم أولو الألباب.
وبهذا يتبيّن أن الراسخين في العلم لا يتّبعون المتشابهات المحتملات، ولا يجعلونها عمدتهم، وإنّما عمدتهم المحكمات الواضحات، وهن أم الكتاب ومعظمه.

ثانيها: إبراز كون القرآن شريعة دائمة:

وذلك يقتضي تعويد حملة هذه الشريعة وعلماء هذه الأمة بالتنقيب والبحث واستخراج الاحكام من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقات الأمة صالحة لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع. وإنه لمن فضل الله على الناس أن أحكم لهم أصول الدين التي لا يقع الاختلاف في فهمها سلامة لوحدة الأمة الإسلامية وصيانة لكيانها: {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} (فصلت: 3).

وقد تأتي هذه الأصول الدينية في أكثر من موضع بالقرآن مع اختلاف اللفظ والعبارة والأسلوب إلا أن معناها يكون واحدا، فيشبه بعضها الآخر ويوافقه معنى دون تناقض، أما ما عدا تلك الاصول من فروع الدين فإن من آياتها من العموم والاشتباه ما يفسح المجال أمام المجتهدين الراسخين في العلم حتى يردوها المحكم ببناء الفروع على الاصول والجزئيات على الكليات وإن زاغت بها قلوب أصحاب الهوى وبهذا الإحكام في الاصول والعموم في الفروع كان الاسلام دين الانسانية الخالد الذي يكفل لها خير الدنيا والآخرة على مر العصور والأزمان.
ومن المقرر لدى علماء الشريعة ان كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل على الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه ويشترط في ذلك ألا يعارضه قطعي. فإذا لم يظهر معناه لإجمال، أو اشتراك، أو عارضه قطعي، فليس بدليل إلا إذا فكت جهة اشتباهه أو إشكاله؛ وذلك إما يكون ببيان المجمل أو تخصيص العموم أو تقييد المطلق أو تفصيل ما لم يفصل أو تكميل ما لم يظهر تكميله.
وعليه، فإن أهل العلم في الأمة بقدر إعمالهم للاجتهاد في فهم النصوص يتفاضل بعضهم على بعض وتظهر مزية البارع منهم في صناعة الاستنباط والاستدلال أما لو كان كتاب الله تعالى مكشوفا ظاهرا يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، وإن البحث والنظر الذي اقتضته معرفة القرآن الكريم دعا الناس إلى البحث في علوم عديدة، وبالتالي حصلت لهم معارف كثيرة وانقدحت لذلك الأفكار وتعدّدت الآراء فحصلت بذلك فوائد ما بعدها فوائد.

ثالثها: الإلماح والإلماع إلى عالمية الرسالة:

هذه الرسالة التي ما جاءت سوى لهداية الناس كافة؛ وذلك بإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. لهذا ُبعث الرسل والأنبياء، وعلى هذا ينبغي أن تكون الأمة الخاتمة من بعد الرسل
بل من أجل ذلك كانت شريعة الإسلام قائمة على اليسر والسماحة، لتسع بذلك الناس جميعا أسودهم وأحمرهم وأبيضهم
وإن من عرف طبيعة البشر، وتنوع أصنافهم، لعلم مزية الشريعة في هذه الناحية وغيرها من النواحي؛ لأن الناس فيهم الظاهري الذي يقف عند حرفية النص، وفيهم المقاصدي الذي يهتم بروح النص، ولا يكتفي بظاهره، فيهم من يسلم وفيهم من يؤول، فيهم العقلاني وفيهم الوجداني... وبما أن الخطاب القرآني كان للناس جميعا، اقتضت حكمة الله تعالى ان يسعهم خطابه، ولكن بعد بحث وجهد منهم، أو بعد مراجعة أهل العلم فيهم إن كان ينقصهم العلم وذلك حتى يرتقوا ويتزكوا في الدنيا ثم ُيثابوا في الآخرة.

تحميل الدّرس كاملا

تعليقات

التنقل السريع