القائمة الرئيسية

الصفحات

الناسخ والمنسوخ: تعريف النسخ لغة واصطلاحا | مشروعية النسخ | المنكرون للنسخ | حكمة النسخ | طريقة معرفة النسخ


الناسخ والمنسوخ: تعريف النسخ لغة واصطلاحا | مشروعية النسخ | المنكرون للنسخ | حكمة النسخ | طريقة معرفة النسخ

ورقة ودفتر. موقع فوائد

تعريف النسخ لغة واصطلاحا:

تعريف النسخ لغة:

النسخ لغة: قال ابن فارس في مقاييس اللغة: (ن س خ): أصل واحد، إلا أنه مختلف في قياسه. قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه. وقال آخرون: تحويل شيء إلى شيء. فقالوا: النسخ: نسخ الكتاب، والنسخ: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره، وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه.

معاني النسخ في المعاجم:
للنسخ في المعاجم معنيان:
أولا: بمعنى الإزالة: ومن ذلك قولهم: نسخت الشمس الظلّ، إذا أزالته، أي: أذهبت الظلّ و حلّت محله، و نسخ الشيب الشباب، إذا أزال سواد الشعر و حلّ محله بياضه، فهنا الإزالة بعوض أو بديل.
وقد تَكون الإزالة من غير عوض كقولهم: نسخت الريح الأثر، أي: أزالته ولم تحل مكانه، بل ذهبت هي أيضا، فلم يبق ريح ولا أثر، وبمعنى الإزالة ورد قوله تعالي: (ما ننسخ من آية أو ننسيها نأت بخير منها أو مثلها) ... البقرة:106.
ثانيا: النسخ بمعنى النقل، أي: نقل الشيء من موضع إلى موضع ومن ذلك قولهم: نسخت الكتاب، أي: نقلت ما فيه، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) الجاثية:29.

تعريف النسخ اصطلاحا:

النسخ اصطلاحا: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر.

ما يستفاد من هذا التعريف:
1-    أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، فلا ينطبق ذلك في رفع الأحكام المبنية على البراءة الأصلية، أو العادات والأعراف الجاهلية، أو الأحكام العقلية، هذا ما يفيده رفع الحكم الشرعي.
2-    أن يكون الناسخ شرعيا كذلك، فالشرع لا ينسخ إلا بالشرع، فلا بصح أن يكون العقل ناسخا لحكم الشرع، كما هي الحال الأن في أفة المفتونين الذين ينسخون الأحكام الشرعية و فقا لمقتضيات العقل، مؤولين ذلك بالمصالح والمنافع.
3-    أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ، فإذا كان الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين كقوله تعالى: ثم أتموا الصيام إلى الليل...[البقرة:187]. فإن الحكم ينتهي بانتهاء وقته، فلا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء الحكم: إنها نسخ، وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول، وهكذا يقال في كل حكم مؤجل بأجل، إذ لا يعني انتهاء أجله أنه نسخ.

مشروعية النسخ:

جاءت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة واجماع الصحابة بينة واضحة تدل على جواز النسخ ووقوعه.

دليل مشروعية النسخ من الكتاب:

أما الكتاب: فقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسيها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) البقرة:106
يقول إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: ما ننسخ من آية أي: ما نبدل من حكم آية فنغيره، وذلك بأن يحول الحلال حراما والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحصر والإطلاق، والمنع والإباحة.. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. أمت قوله: أو ننسيها فمعناه نتركها فلا نبدلها. و أنا قوله: نأت بخير منها أو مثلها فمعناه: نأت بحكم خير لكم من حكم الآية التي نسخناها، ولا شكّ أن الخيرية تتحقق بالنسبة للناس في الدنيا، إذا كان الحكم الجديد أو الناسخ أخف من الحكم المنسوخ، وتتحقق أيضا إذا كان فضلا بالنسبة للأخرة حيث إن الثواب أجزل.
والدليل الثاني: قوله تعالي: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون) [النحل:101].
قال زمخشري: تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح، والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته، وهذا معنى قوله: والله أعلم بما ينزل.

دليل مشروعية النسخ من السنة:

اما السنة: فقد دل قوله صلى الله عليه وسلم على جواز النسخ فقد صح الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها". وليس معنى الحديث إلا القول بجواز زيارتها بعد النهي عن ذلك، والنسخ لا يعني أكثر من ذلك، أن يحول الحرام حلالا، والمحظور مباحا على حد قول ابن جرير الطبري.

دليل مشروعية النسخ من الإجماع:

أما إجماع الصحابة: فقد انعقد على أن الشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وانعقد إجماعهم على نسخ وجوب الوصية للوالدين والأقربين بأية المواريث، فأجماعهم على ذلك دليل شرعي على النسخ.

المنكرون للنسخ:

يقول ابن كثير:(والذي يحمل على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله، لأنه يحكم ما يشاء، كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه وقع ذلك في كتبه المتقدمة، وشرائعه الماضية، كما أحل لأدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح-بعد خروجه من السفينة- أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر بنو إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل، كيلا يستأصلهم- وبقوا أحياء يذيقون البشرية ألوانا من أحقادهم - ولله في ذلك حكمة وأشياء كثيرة يطول ذكرها وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه).
وقد أنكر أهل الكتاب -اليهود والنصارى - وقوع النسخ وجوازه وزعموا أن النسخ يستلزم البداء، ومعنى البداء لغة الظهور بعد الخفاء، وقالوا: لو جاز النسخ على الله تعالى لكان إما لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ظاهرة، أو لغير حكمة، وكلا الأمرين باطل، لأن الأول بداء، والثاني عبث، والبداء والعبث لا يجوزان على الله تعالى، اذ كل منهما نقص يتنزه الله أن يوصف به.
وأعجب بعد ذلك من قول أبي مسلم الأصفهاني من متأخري المعتزلة الذي قال بجواز النسخ عقلا، ومنع وقوعه شرعا، واستدل بقوله تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فصلت:42

حكمة النسخ:

1-    حكمة نسخ الشرائع السابقة:

أ‌-      أما حكمته سبحانه في أنه نسخ به الشرائع كلها فترجع إلى أن تشريعه أكمل تشريع يفي حاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها بعد أن بلغت أشدها واستوت.
و بيان ذلك أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره، فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة وضعفا وجهالة، ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدا رويدا و مروا في هذا التحول، أو مرت عليهم أعراض متباينة من ضالة العقل و غماية الجهل وطيش الشباب، وغشم القوة على تفاوت في ذلك بينهم اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت، حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف، ختاما لشرائع وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية، ومرونة القواعد جميعا وفق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعلم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم.
ب‌-   مراعاة مصالح العباد، فالله عز وجل أنزل كتابه ليقوم الناس بالقسط والمصلحة لهم أن يهتذوا بما أنزل إليهم، فلذا يسره لهم ولم يجعل عليهم في الدين من حرج، وما وقع فيه النسخ تتحقق فيه هذه الغاية.
ت‌-   إن الله سبحانه هو مالك الملك الحي القيوم، وهو الذي أنزل الكتب جميعا، و جعل القرآن مصدقا لما بين يديه مم الكتب، فعلى هذا ما وجد من نسخ لبعض الأحكام السابقة فيه فهو من تدبير العليم الخبير، القائل: والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

2-    حكمة نسخ بعض الأحكام في شريعة الختم:

وأما حكمة الله في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض فترجع إلى:
أ‌-      سياسة الأمة وتعهدها بما يرقبها ويمحصها: وبيان ذلك أن الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها الرسول بدعوته كانت تعاني فترة انتقال شاق، بل كان أشق ما يكون عليها في ترك عقائدها وموروثاتها وعادتها خصوصا مع ما هو معروف عن العرب من التحمس لما يعتقدون أنه من مفاخرهم وامجادهم، فلو أخذو بهذا الدين الجديد مرة واحدة لأدى ذلك إلى نقيض المقصود ومات الإسلام في مهده.
ب‌-   ابتلاء المكلف واختياره بالامتثال وعدمه.

كان النسخ بالنسبة إليه واحدا من أصدق وأهم وسائل التربية والإعداد في بناء شخصيته على الصعيد الفردي، وفي مواجهته على الصعيد الجماعي، مع الجاهلية العربية وسائر الجاهليات الأخرى في الأمم والشعوب. بل قد يمكن القول: إن النسخ كان ضرورة لابد منها لنقل أبناء عصر الجاهلية إلى الإسلام. بدليل أنه جاء مرة نسخا مباشرا، وجاء مرة أخرى على مراحل...
وقد نجح جيل الصحابة رضي الله عنهم في تقديم أرفع النماذج الإنسانية، في كل مجال.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشي قدمت لنا سيرته الشريفة أهم وسائل ذلك الإعداد التاريخي. وألفت ضوء على فهم مراحله، فقد نجمع في شخصه الكريم كل تلك الصفات و الجمالات الرفيعة، وبلغ في كل واحد منها مبلغا لم يبلغه أحد ممن فرغ له نفسه، سواء أكان من الصحابة أم من غيرهم، فكان بذلك رسول رب الناس إلى كل الناس صلى الله عليه وسلم.
وبعد أن ثم هذا الإعداد، في النموذج الأكمل صل الله عليه وسلم، أصبحت الأمة الإسلامية مطالبة بالأحكام الأخيرة في البناء والإعداد، وأصبح النسخ هو قمة تاريخية> لا يمكن ولا يعقل تكرارها مرة أخرى بعد قيام الحل الأول.

طريقة معرفة النسخ:

لا يصح القول في النسخ جزافا، فلا يعتمد في النسخ على قول المفسرين، ولا اجتهاد المجتهدين. من غير نقل صريح، لأن النسخ يتضمن رفه حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد كما قال ابن الحصار رحمه الله.
هذا ما أوقع الكثير من العلماء في الخطأ، فمجرد ظهور شبهة التعارض يلجؤون إلى القول بالنسخ في حين أن الجمع بينهما ممكن، ولا شك أن الجمع هو الأولى من إهمال أحدهما، بل الجمع بينهما ولو من وجه من الوجوه أولى من إهمالهما من كل الوجوه وادعاء النسخ فيهما، لأن النسخ على خلاف الأصل، وما كان خلاف الأصل لابد من بينة عليه، وإلا لم تقم به حجة، وهذه الحجة:
-       إما أن ينص اللاحق على أنه ناسخ للسابق لفظا أو دلالة، كما سيأتي ذكره في آيات المناجاة، أو آيات الزنا، أو ما ورد في الحديث الشريف: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها".
-       وإما أن يكون بين النصين تعارض بحيث لا يمكن التوفيق بينهما، فينظر في النصين المتعارضين، فإن كان أحدهما معلوما وقطعيا والآخر مظنونا فالعمل بالمقطوع واجب.
وإن كانا معلومين مقطوعا بهما، أو ظنيين في درجة واحدة من القوة، ينظر إلى القرائن كأن يكون أحدهما متأخرا عن الآخر فيكون المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا.
وقد يعرف التاريخ (مثلا) من إسناد الراوي كأن يقول: هذا الحديث في غزوة كذا أو سنة كذا، أو يقول نزلت هذه الآية في مكة والأخرى في المدينة أو نحو ذلك.
أما إذا جهل التاريخ فلا نسخ؛ إذ إن أحدهما ليس بأولى من الآخر بالنسخ، وكل من ادعى غير ذلك فقوله مردود لعدم معرفته التاريخ.
المتابعة إلى: الدرس التالي:

تعليقات

التنقل السريع